من المهم أن يدفعنا الإيمان بانتصار العدالة في النهاية لمواصلة النضال رغم الإحباط وخيبة الأمل ريتشارد فولك | رئيس مجلس الأمناء
Browsing Tag

حقوق

احمد الدبش

حكاية وثيقة سفر !

أحمد الدَبَش،كاتِب وباحِث فلسطيني

بوقوع نكبة عام 1948، ضمت الضفة الغربية إلى الأردن عام 1950، وتم منح سكان الضفة الغربية واللاجئين من فلسطين المحتلة 1948 المقيمين في الأردن الجنسية الأردنية، فقد أجاز قانون جوازات السفر الأردنية في 7 شباط/ فبراير 1949 لأي شخص عربي فلسطيني يحمل الجنسية الفلسطينية الحصول على جواز سفر أردني بموجب قانون جوازات السفر الأردنية.

وقد تبع ذلك إصدار قانون إضافي لقانون الجنسية الأردنية بتاريخ 13 كانون الأول/ ديسمبر 1949، الذي نص على أنّ «جميع المقيمين عادة عند نفاذ هذا القانون في شرق الأردن أو في المنطقة الغربية التيتدار من قبل المملكة الأردنية الهاشمية ممن يحملون الجنسية الفلسطينية يعتبرون أنهم حازوا الجنسية الأردنية، ويتمتعون بجميع ما للأردنيين من حقوق، ويتحملون ما عليهم من واجبات».

 ونتيجة لذلك حصل سكان الضفة الغربية واللاجئون الفلسطينيون المقيمين فيها وفي شرق الأردن على الجنسية الأردنية. وظل قانون 1949 سارياً حتى تم إصدار قانون الجنسية الأردنية لسنة1954، والذي أكد على منح الجنسية للفلسطينيين القاطنين في المملكة الأردنية الهاشمية (بما فيها الضفة الغربية التي ضُمت للأردن عام 1950). وظل هذا القانون سارياً على الضفة الغربية حتى يومنا هذا.

أما قطاع غزة، فقد أُخضع رسمياً لإدارة الحكومة المصرية على أثر اتفاقية رودس في شباط/فبراير1949، وبناء على «تكليف» من الجامعة العربية تولت حكومة الملك فاروق التي يرأسها محمود فهمـي النقراشـي، إدارة «المناطق الفلسطينية الخاضعة لرقابة القوات المصرية».

حرصت الدولة المصرية على احتفاظ قطاع غزة باسم فلسطين، فقد أصدر مجلس الدولة المصري فتواه التي تؤكد على «أن قطاع غزة ينفصل انفصالاً كلياً عن دولة مصر من جميع النواحي التشريعية والتنفيذية والقضائية».

وفي عام 1962 تم إصدار القانون الدستوري لقطاع غزة، وتشكيل سلطات تشبه سلطات الدولة، فأوجد القانون سلطة تشريعية وأخرى تنفيذية وثالثة قضائية. وبقي قطاع غزة خلال هذه الفترة مداراً من قبل الإدارة المصرية، ولكنه لا يشكل دولة.

هكذا، لم يعد للفلسطينيين أي كيان سياسي قانوني، ولم تتوفر لحكومة عموم فلسطين التي -وافق على إعلانها المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في مدينة غزة يوم 30/9/1948- أية مقومات على الصعيد السياسي المحلي الفلسطينية أو على المستوى العربي الرسمي بشكل عام، ثم كانت عملية نفي الحاج أمين الحسيني من غزة إلى القاهرة يوم 17/10/1948، ومنعه بالقوة من العودة إلى فلسطين بمثابة إعـلان وفاة حكومة فلسطين، والهيئة العربية العليا وبداية الوصايا العربية الرسمية على الفلسطينيين وقضيتهم إلـى حين.

على أي حال، بدأت قوافل اللاجئين الفلسطينيين تصل إلى الدول العربية المجاورة، بعد أن لجأ عدد منهم إلى قطاع غزة والضفة الغربية، وتواصل تدفق اللاجئين الفلسطينيين إلى مصر، خلال العدوان الثلاثي 1956. على أن أكبر عملية تدفق للاجئين وصلت إلى مصر بعد نكسة حزيران/ يونيو 1967.

كان الفلسطينيون في مصر وقطاع غزة يحملون جوازات سفر صادرة من «حكومة عموم فلسطين»، إلا أنّ ذلك لم يعمر طـويلاً بسـبب تلاشـي تلـك الحكومة، ففي سنة 1960، أصدرت مصر وثائق سفر مصرية لسكان القطاع بدلاً مـن تلك الجوازات، وذلك بموجب القرار رقم 28 لسنة 1960، الصادر عن الجمهورية العربية المتحدة، التي ضمت كلاً من مصر وسوريا. وكي يحصل الفلسطيني على وثيقة سفر مصرية عليه أن يثبت أنه لاجئ! ومدة هذه الوثيقة سارية لمدة 5 سنوات.

وانقسم حملة الوثيقة المصرية إلى عدة فئات (أ – ب – د – هـ) بحسب لجوئهم في مصر قبل أو بعد أعوام 1948 و1967.   

ولا يحق للفلسطينيين الذين يحملون وثائق سفر مصرية الإقامة في مصر بصورة تلقائية، وتفاوتت سنوات الإقامة التي تمنح دورياً للفلسطيني في مصر بحسب سنة قدومه إلى البلاد، وسنوات إقامته. فقد منح اللاجئون الفلسطينيون في مصر ثلاثة أنواع من الإقامة: الإقامة الخاصة، والتي تسري لعشر سنوات، والإقامة العادية، والنوعان السابقان انتهى العمل بهما وتوقف منحهما للفلسطينيين منذ ثمانينيات القرن الماضي، خاصة بعد مقتل وزير الثقافة المصرية يوسف السباعي كـ«إجراء عقابي».

 أما النوع الثالث فهو الإقامة المؤقتة، ويحمل أغلب الفلسطينيين المقيمين في مصر تصاريح إقامة مؤقتة، وهي تسري لمدة تتراوح ما بين سنة إلى ثلاث سنوات.

لا تمنح الوثيقة المصرية للفلسطيني حق الدخول لمصر بعد الخروج منها مرة أخرى إلا لمن يحمل تأشيرة عودة سارية، وهذا ما نصت عليه الصفحة الأخيرة في الوثيقة، تحت عنوان «تعليمات بشأن هذه الوثائق»، فقد جاء فيها: «وتصلح هذه الوثيقة للسفر إلى البلاد المدونة بها دون غيرها كما أنها لا تخول حاملها دخول جمهورية مصر العربية أو المرور منها إلا إذا حصل على تأشيرة دخول أو مرور أو تأشيرة عودة».

وقد احتوت الوثيقة المصرية على أنها “ذات شأن عظيم”، في حين أن عظمة شأنها لا تمنح حاملها دخول بعض الدول العربية التي كان على خلاف مع الحكم في مصر إبان عصر السادات ومبارك، فقد كان ينص على أحد صفحات الوثيقة كمثال يسمح بدخول جميع الدول عدا ليبيا والعراق …..

وبذلك أصبح حرية حركة الفلسطيني حامل الوثيقة مرتبط بعوامل خارجية تخص العلاقات العربية العربية، وعلاقات جمهورية مصر العربية بالدول العربية آنذاك.

وبعد التوقيع على اتفاقات أوسلو في العام 1993، وعودة القيادة الفلسطينية إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1994، وقيام سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود، عمدت الأخيرة إلى إصدار “جوازات” سفر فلسطينية لتكون بديلاً من وثائق السفر المصرية لسكان قطاع غزة، أما أبناء القطاع في الشتات، فلا يزالون يحملون الوثيقة المصرية.

1111111

الشباب أمل التغيير الديمقراطي | د.نزار بدران

د. نزار بدران

منذ سبعة سنوات، ومع بدء الربيع العربي من تونس، دخل العالم العربي مرحلة رمادية، تُحدق بها الأخطار، تلك المرحلة التي تتبع مرحلة الظلام الدامس، قبل الوصول إلى وضح النهار. هذه الرمادية من ثورات وثورات مُضادة، وتدخلات أجنبية عديدة، تكاد لا تُحصى، هي سمة ثابتة لكل التغيرات الاجتماعية الجذرية.

كُثر هم إذاً من يحنون لمرحلة الظلام الدامس، لأنهم لا يرون نور النهار، بعد ولوج النفق الرمادي، بكل شروره وأشراره. هي بحق مرحلة خروج كل وُحوش الأرض، مر بها قبلنا شعوب أخرى من أوروبا، وخصوصاً الثورة الفرنسية وأمريكا اللاتينية، وحروب اليابان بشرق آسيا، والحرب الأهلية الأمريكية، وكُثر غيرها.

حَمَل الشباب العربي كثير من الأحلام، والتي في بعض الأحيان، تنتهي بالحسرة واليأس، فاتحة باب الهجرة للغرب على مخاطرها، ولكنهم كثيرون ممن زالوا يحملون حُلم التغيير، وبناء مستقبل لهم ولابنائهم بأوطانهم.

التغيرات الاجتماعية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، تُظهر تغير نوعي للبيئة الاجتماعية، فمثلاً انخفض بشكل كبير نسبة الإنجاب، لصالح الحد من عدد أفراد العائلة، سامحاً للمرأة مُغادرة البيت، والذهاب للدراسة الجامعية، ومُحاولة وُلوج سوق العمل. لم تعد المرأة قابعة ببيت الزوجية، فقط للإنجاب والمهام المنزلية، وهو ما غير تدريجياً، الصورة النمطية والحقوقية للعلاقة داخل العائلة.

انتشر التعليم وتطور نتيجة لذلك طبقة وُسطى أوسع، لها مطالب تتعلق بالتعبير والحريات العامة والتواصل، وهو ما لم يتحقق، في ظل الظروف السياسية لبلدانهم. تطور وسائل التواصل الاجتماعي، سمح لهذه الطبقة، بتجاوز الحواجز الحدودية والمعرفاتية، التي تُميز دولهم. لم تعد الأنظمة قادرة على منع الناس من النظر خلف الجدران، ورؤية ما يحدث من تطور في العالم، خصوصاً انتشار الديمقراطية بدول عديدة، كانت تُشبه الدول العربية بمرحلة ما، كما حدث بدول شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا.

فشل النظام العربي الرسمي، بمتابعة تطورات العصر الجديد، أو حتى فهمه، وبقائه متقوقعاً داخل بُنية استبدادية، زاد من واقع التناقض، بين المجتمع المُتحرك المتطور والسلطة الجامدة. هذا الفشل للسلطة لا ينبُع فقط من عدم رغبة بالتغيير، والحفاظ على مصالح مادية وسُلطوية، ولكنه أيضاً نابع عن عدم كفاءة هذه السلطة بفهم ما يحدث، ومواجهة الأوضاع بحلول سياسة منطقية. نحن أمام نظام يُفضل أن يُحاط بأشخاص موالون، على أشخاص كفؤ، لدراسة الواقع وحل المشاكل، أظن مثلاً أن الصحفي جمال خاشقجي، كان أفضل الأشخاص القادرين على تقديم النصيحة للنظام، ليُعطي للسعودية حلولاً، أمام تناقض بُنيتها الاجتماعية والسياسية مع التطور العالمي.

غياب الحريات العامة، أو اعتماد القانون، أدى إلى تحول الاقتصاد، رغم الثروات الهائلة المُتواجدة داخل كثير من الأقطار العربية، إلى وسيلة للنهب العام، دون الالتفات إلى رفاهية المواطنين.

شباب الطبقة الوسطى الناشئة، يختلف عن جيل الآباء والأجداد، الذين كانوا يقبلون تقديم الولاء الدائم، مقابل الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية، فالتعلم ودخول الجامعة، بحاجة لواسطة، والحصول على علاج، يأتي بمنةٍ من السلطان، بدل أن يكون كل ذلك حقوقاً مكتسبة وطبيعية للناس.

هذه التناقضات، تزداد تعمقاً يوماً بعد يوم، فالعنف السلطوي وقمع الحريات، لن يؤدي إلى حل أي إشكالية مطروحة، لا أظن أننا الآن، بمرحلة التقدم نحو الأفضل، بل بمرحلة شحن أطراف التناقض، بانتظار الانفجار الأكبر، والذي بدأت معالمه تظهر منذ عام 2010.

لن نستطيع تفادي هذا الإنفجار، إلا إذا تمكنا من دفع النظام السياسي العربي، إلى تبني مبدأ أحقية الناس باختيار من يحكمهم، واعتماد الطرق الديمقراطية، بالتعامل السياسي والاجتماعي.

كذلك وجب أيضاً، للسير نحو السِلم الاجتماعي، تطوير المجتمع المدني، حتى نتمكن من سد فراغ السلطة اولاً، وثانياً الدفع نحو تغيير مفهوم السياسة وتكوين الأحزاب والنقابات والتجمعات. وحده المجتمع المدني، القوي الحر، من يستطيع السير نحو التغيير الديمقراطي، بدون المرور بالإديولوجيات السياسية المتطرفة والشحن الطائفي والعرقي. لذلك ولتفادي الإنهيار، تتسابق هذه الأنظمة بإسكات كل أشكال منظمات المجتمع المدني، عن طريق المنع بالقانون أو بالقوة، أو عن طريق إيجاد أشكال وهمية لهذه التنظيمات المدنية، هي بالحقيقة أبواق للسلطة، وليس مُلهم لها.

استمرار الشباب وأبناء وبنات الطبقة الوسطى الفاعلة، لتنظيم أنفسهم داخل اُطر تجمعات ومنظمات المجتمع المدني، سيكون أفضل الوسائل لتقليل كُلفة التغيير الديمقراطي المأمول بمجتمعاتنا، والتي بدون ذلك، ستكون باهظة جداً، إنسانياً ومادياً.

د.بلال الشوبكي

العشائر في فلسطين، سلطة أم أداة السلطة؟

يتنامى الاهتمام الفلسطيني بقضايا الحقوق والحريات والتحوّل الديمقراطي، ويظهر جليّاً أنّ هذا الجانب من القضايا أخذ حيّزاً واسعاً ممّا تمارسه مؤسسات حقوقية وبحثية، وحال الفلسطيني هنا كحال الكثيرين من أبناء الدول النامية الذين انفتحوا بحكم عوامل عدّة على عالم من المقارنات. بيد أنّ هذا الاهتمام لم يحل دون استمرار نفوذ العشائر الفلسطينية في السياقات العامة، وهو ما يثبّط من مسيرة التحوّل نحو تثبيت الحريات وتعزيز قيم العدالة والمساواة والمشاركة والتعددية، إذ إنّ تشكيلة هذه البنى الاجتماعية قائمة بالأساس على عوامل غير عقلانية، وتعتمد النسب دون غيرها شرط القبول كعضو في هذا الجسم، فيما رأس الجسم ينصّب دونما أي اعتبار للكفاءة، والقرارات أو المواقف أو حتى الآراء تنهال من أعلى الجسم إلى أدناه، ويصبح الالتزام بها من أبناء العشيرة معياراً لقوتها بغض النظر عن صوابية تلك الرسائل.

أحمد أبو حمد

الحق في معرفة الحقيقة ..من يمتلك المعلومات؟

أحمد أبو حمد 

لعل أهم المشاكل التي يواجهها المواطن العربي دون أن يشعر هو أنه يحصل على المعلومات من مصدر واحد داخل بلده، وهي المعلومات القادمة من طرف الحكومة ومؤسساتها، أو التي عبرت من تحت مقص الرقابة الحكومية، أي أنها تتفق مع توجهات الحكومة أو لا تشكل أزمة كافية للحكومة حتى تمنعها أو تخفيها، فعلى الرغم من الجهود التي يبذلها الباحثون عن الحقيقة إلا أن سياسات التعتيم والإخفاء لاتزال أقوى من المؤسسات والأفراد المستقلين الذين يحاولون عبثاً الوصول إلى المعلومات.

بالنظر إلى خارطة مؤشر مدركات الفساد يمكن ملاحظة أن غالبية الدول العربية ترزح تحت فساد يتراوح بين العالي والمتوسط، هذا الفساد يختبئ خلف حجب المعلومات عن المواطنين والصحفيين والباحثين والمؤسسات غير الحكومية، الأمر الذي يجعل تعقّبه والسعي إلى مراقبة التقصير أمراً بالغ الصعوبة، ويحمي الفاسدين من أي محاسبة أو عقاب.

على الرغم من أن الحق بالمعرفة من الحقوق الأصيلة التي أكد عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته رقم 19 والتي نصّت على أن “لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل، واستقاء المعلومات وتلقيها ونقلها من خلال أية وسيلة بغض النظر عن الحدود،” إلا أن الطريق أمام اكتساب الحق بمعرفة الحقيقة يبدو طويلاً جداً في عالمنا العربي، فقوانين النفاذ إلى المعلومات والحصول عليها غير موجودة في كثير من الدول، وإن وجدت تبقى قاصرة عن تحقيق دورها المطلوب كما في تونس والأردن.

كما أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان قدّمت عام 2013 طلباً تدعو فيه “الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية إلى تقديم معلومات عن الممارسات الجيدة في مجال إنشاء المحفوظات الوطنية لحقوق الإنسان وصيانتها وتوفير سُبُل الوصول إليها، وإتاحة المعلومات التي تتلقاها للجمهور في قاعدة بيانات على الإنترنت”، لكن المستجيبين لهذه الدعوة لم يتجاوزوا الـ15 دولة إلى الآن، ولا يوجد بينهم أية دولة عربية.

كيف يمكن للمواطنين أن يمارسوا الرقابة على دولهم إن لم يكن متاحاً لهم الوصول إلى معلومات حول الإنفاق الحكومي وسير العمل الإداري؟ وكيف يمكن أن يُحاسب منتهكو القانون وحقوق الإنسان إن لم يتم مكاشفة الناس بالحقائق؟

إن الاستمرار بنهج التعامل مع الحقائق كأنها ملك للأنظمة وليس للناس يعزز احتكار السلطة ويشيع سياسة اللامحاسبة ويبقي الباب مفتوحاً أمام إخفاء الانتهاكات الحقوقية والتعدي على الأموال والحريات العامة، ولذلك فإنه لا بد على الدول أن تضمن الحق بالوصول إلى المعلومات والحقائق بسهولة لمن يريدها، فالمعلومات ملك الناس.

وهنا فعلى مالك المعلومة الأصلي تقع مسؤولية كبيرة، إذ إن مهمة المجتمع لا تقتصر فقط على المطالبة بالحقيقة ودفع الحكومات إلى كشفها، إنما بتشكيل حاضنة تحمي المطالبين بالحقائق والمعلومات وتساندهم، وترفض مبدأ التخوين والتشكيك الذي يتم من خلاله شيطنة هؤلاء الباحثين عن المعلومة، سواء كانوا باحثين أو صحفيين أو مهتمين، فلا تقدّم بلا رقابة قوية، ولا رقابة قوية بلا معلومات وحقائق.

أحمد أبو أرتيمة

يوميات طفل في زمن الحرب

أحمد أبو أرتيمة- كاتب وناشط فلسطيني

في رقعة جغرافية دائمة التوتر مثل قطاع غزة يجبر المرء على أن يتكيف نفسياً مع الظروف غير الطبيعية من أجل أن يواصل حياته، في غزة يخفت صوت الموسيقى والفرح ويعلو صوت الصواريخ والانفجارات، ومع طول عهد غزة بالاحتلال الممتد عبر الأجيال يكتسب أهلها عادات نفسيةً ينتزعون بها القدرة على البقاء.

منذ أن تفتح وعيي على هذه الحياة التصق بهذا الوعي صوت أزيز الرصاص الذي ينهمر بكثافة فوق رؤوسنا منطلقاً من البرج العسكري الإسرائيلي المتمركز على تلة مرتفعة تشرف على الحي، في ساعات الليل كنا نرى الرصاص على هيئة كرات ملتهبة حمراء تخترق العتمة فوق رؤوسنا. في إحدى المرات أصيبت شقيقتي عائشة ذات العشرة أعوام بالهلع من كثافة إطلاق النيران فأخذتها إلى المستشفى لتتلقى رعايةً نفسيةً من الطبيب قبل أن تستعيد هدوءها .

لم يكن إطلاق الرصاص دائماً لدواع أمنية إذ إنه كان عادةً يوميةً لجنود الاحتلال في الأبراج العسكرية، كان هذا الرصاص العشوائي رسالة إثبات وجود وردعاً لأي خطر قد يمثله متسلل محتمل، وكان الرصاص في بعض الأحيان انتقامياً بعد عملية مقاومة فلسطينية، فيطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي الرصاص عشوائياً ليقتلوا ويصيبوا عدداً من أهل الحي بينما يمارسون حياتهم الطبيعية.

في سبتمبر عام 2005 فجر جنود الاحتلال ذلك البرج العسكري استعداداً لإعادة الانتشار حول قطاع غزة، كان شيئاً غريباً أننا بتنا ليلتنا الأولى طوال حياتنا دون أن نسمع رصاصةً واحدةً.

بعد أن أكملت حكومة الاحتلال انسحابها لم يعد أهالي غزة يسمعون أصوات الرصاص عدا سكان المناطق القريبة من السلك العازل شرق القطاع وشماله. لكن هذا لا يعني أن الهدوء قد حل، إنما استبدلت أصوات الطائرات والانفجارات بأصوات الرصاص.

بعد الانسحاب البري من داخل غزة ظلت أجواؤها مستباحة للطيران الإسرائيلي، والطائرات أنواع نعرفها بحكم الخبرة الطويلة، فهناك طائرات الاستطلاع المحملة بالصواريخ، وهذه دائمة التحليق فوق رؤوسنا مثلها في عدم الانقطاع مثل رصاص الثكنات العسكرية قبل الانسحاب، تحلق هذه الطائرات في أوقات التصعيد والتهدئة ويمثل صوتها نذير شؤم للكبار لأنه يذكرهم بأيام الحرب والعدوان، وهناك طائرات الأباتشي قليلة الظهور، وهذه غالباً لا تظهر إلا لأداء مهمة حربية، أما الطائرات التي لا يخلو يوم من أيام غزة دون تحليقها فهي طائرات الأف 16 الحربية التي تحمل قنابل شديدة التدمير، هذه الطائرات تستطيع أن تخترق جدار الصوت وهي لا تظهر في أوقات الحرب فقط إنما تظهر يومياً في مهمات تدريب وصيانة. هذه الطائرات هي الأقدر على إدخال الرعب في نفوس الأطفال، إذ إن قنبلةً واحدةً تطلقها تحدث دوياً هائلاً في كل أرجاء المدينة فتهتز المباني السكنية وقد يتسبب صوت الانفجار الناتج عنها في تحطم زجاج النوافذ البعيدة عن مكان الاستهداف.

لا يقتصر الترويع الذي تحدثه طائرات الأف 16 على أوقات الحروب، فبين الفينة والأخرى تكون هناك جولات تصعيد محدودة تقصف فيها هذه الطائرات بعض الأهداف فتحدث رعباً للسكان المدنيين، وفي أوقات أخرى غير أوقات التصعيد تقوم هذه الطائرات بما يعرف بالغارات الوهمية وهي الناتجة عن اختراق جدار الصوت فترتج المباني وينفض الناس من أماكنهم.

تمثل أصوات القصف بشقيه الحقيقي والوهمي معضلةً في تعاملي مع طفلي عبد الرحمن ذو الأربعة أعوام، عبد الرحمن وُلد عام 2014 قبل بدء “العدوان” الكبير على القطاع بثلاثة أشهر فاختزنت أصوات الانفجارات في وعيه الباطن. وهو إلى الآن كلما دوى صوت انفجار انفض مذعوراً وهرول نحوي وهو يصرخ: “القصف هذا علينا”. أستحضر قدر استطاعتي ما أعرفه من كلمات المواساة: “لا تقلق حبيبي، هذا القصف بعيد.”

لكن الوقت لا يسعفني للتخفيف عنه إذ يدوي صوت انفجار ثان وثالث، فالصواريخ عادةً يأتين مجتمعةً وليس فرادى.. لا أملك إلا أن أحتضنه لعلي أبعده عن الأصوات المرعبة الموحشة.

كيف يمكن أن أحصن طفلاً من الخوف في بيئة تمتلئ كل تفاصيلها بالخطر؟ هديت إلى فكرة متواضعة لكنها أثبتت نجاعتها إلى حد ما، وهي أن أغير الإطار الإدراكي والنفسي لطفلي، قلت له: هذا القصف في البحر وليس عندنا، إذا سمعنا صوت القصف مرةً ثانيةً سنقول معاً: هييي .. لما جاء صوت صاروخ جديد، قلنا معاً: هييي ، بهذه الطريقة أزحت تركيزه قليلاً عن حالة الرعب، وحولت الأمر إلى ما يشبه اللعبة.

أعلم أن الحرب ليست لعبةً وأن هذا الصاروخ قد يحمل الموت لأطفال في سن ابني أو لآبائهم وإخوانهم ، لكن ماذا بوسعنا أن نفعل، إن لم نستطع أن نغير الواقع فأضعف الإيمان هو تقوية أنفسنا في مواجهته..

وأنا أختم مقالي هذا وصلني خبر إصابة شقيقي بجروح متوسطة بفعل سقوط صاروخ أف 16 بالقرب منه في جولة تصعيد جديدة.

حق تقرير المصير2

مفهوم حق تقرير المصير

فريق التحرير

منذ فترة ليست بالبعيدة، وبالتحديد مع نهاية الحرب العالمية الأولى 1918، ظهر مصطلح “الحق في تقرير المصير” وهو حق الناس بتحديد واختيار شكل السلطة والحكم الذي يريدونه بشكل حر وبدون تدخل خارجي، وهو ليس حقاً فردياً، بل حق جماعي يعطى للجماعات التي توجد بين أفرادها روابط مشتركة، كاللغة والدين والتاريخ والثقافة. ولكن، هذا لا يعني أن القانون الدولي يعطي أية أقلية تملك اللغة نفسها وتاريخاً مشتركاً وثقافة واحدة إمكانية المطالبة بهذا الحق، بل قيّد هذا الحق بمجموعة من المحددات تحول دون تفتيت الدول وزعزعة سيادتها.

فالشعوب الخاضعة تحت الاستعمار أو الاحتلال تتمكن بموجب هذا الحق من المطالبة بالتخلص من الاحتلال الأجنبي والتمييز العنصري، وأن تحكم نفسها بنفسها، وانطبقت هذه الحالة على ناميبيا سابقاً، حيث كانت تستعمرها دولة جنوب افريقيا، حتى نالت استقلالها عام 1990، وينطبق الآن على الشعب الفلسطيني الذي لا يزال في نضال مستمر ضد الاحتلال الإسرائيلي للحصول على حق تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال والقضاء على التمييز العنصري.

وينطبق هذا الحق على القوميات التي تتعرض للاضطهاد أو أي شكل من أشكال التمييز العنصري من قبل الدولة، ومثال ذلك دولة جنوب السودان، التي استقلت عام 2011 عن جمهورية السودان. من الجدير بالذكر أن هذا الحق يستغل أحياناً لأهداف سياسية من قبل بعض الدول من خلال دفع أقليات في دول أخرى للمطالبة بحقها في تقرير المصير لإضعاف وتفتيت الدولة.

وتمارس الأقليات ذات القوميات المتنازع عليها هذا الحق عادة عن طريق الاستفتاء الشعبي المباشر أو الاقتراع، وغالباً ما ينفذ تحت إشراف الأمم المتحدة، أما الدول تحت الاحتلال أو الاستعمار، فمن خلال انسحاب القوة المحتلة أو المستعمِرة، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلنت في قرارها رقم 2621 عام 1970 عن حق الشعوب في النضال بكل الوسائل الضرورية لنيل حريتها، وطالبت الدول بتقديم المساعدات المالية والمعنوية لها في نضالها من أجل تحقيق الاستقلال.

نجحت بعض الشعوب في تقرير مصيرها وأصبحت دولاً مستقلةً بعد نضالها في الحصول على هذا الحق، مثل الجزائر وبنغلادش وجنوب السودان وكوسوفو، بينما تطالب مجموعات أخرى بالاعتراف بحقها في تقرير المصير، لكن الأمم المتحدة لم تعترف لهم بهذا الحق لعدم توفر الشروط، مثل إقليم كردستان العراق وإقليم كتالونيا الإسباني، حيث تعتبر الدول أن هذه الأقليات لا تتعرض للاضطهاد داخل دولها وبالتالي لا يحق لها الانفصال.

ولكن الوضع مختلف بالنسبة لشعوب أخرى، إذ إن الأممالمتحدة اعترفت لها بالحق في تقرير المصير لكنها لم تنل هذا الحق بعد، كالصحراءالمغربية، وفلسطين التي وعلى الرغم من صدور عدة قرارات عن الأمم المتحدة تؤيد حقالشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، إلا أن السياسات الإسرائيلية لا تزال تعيق هذاالحق من خلال استمرار الاحتلال والاستيطان.

فريق التحرير-اسماء قنديل

“أسماء قنديل” قصة نجاح من البطالة إلى العمل الحر

فريق التحرير

مثّل مشروع حاضنة المرأة القيادية – ينفذه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان- على مدار عامين متتاليين، نقطة تحوّل وعلامة فارقة في حياة العديد من المؤسسات والنساء والفتيات اللاتي استفدن من دورات ومبادرات المشروع. حيث طوّر المشروع مهارتهن المختلفة، وأكسبهن خبرات متعددة، فأصبحن قصص نجاح يُحتذى بها، وحصلت الكثير منهن من خلال بنائهن على تلك المبادرات على فرص عمل ومشاريع مختلفة.

 “أسماء قنديل” (25 عامًا)، خريجة لغة إنجليزية من جامعة الأقصى لسنة 2016، شاركت في مبادرة “كيفية استخدام منصات العمل الحر عبر الإنترنت” والتي نفذتها جمعية الخريجات الجامعيات بقطاع غزة، بتمويل من مشروع حاضنة المرأة القيادية.

روت “قنديل” للفريق قصة نجاحها وكيف ساهم مشروع حاضنة المرأة القيادية ومبادرة “العمل الحر عبر الإنترنت” بتغيير حياتها للأفضل وتوفير فرصة عمل لها ومصدر دخل جيد لها ولأسرتها.

قالت “قنديل”: “بعد تخرجي من الجامعة، عملت في عدة أماكن، إلا أنني لم أستطع الاستمرار في العمل نتيجة لظروفه الصعبة، كالوقت الطويل وعدم مناسبة الراتب مع كم المجهود ومتطلبات العمل الكثيرة، وفي أحيانٍ أخرى، كنت أحصل على فرص عمل مؤقتة بحيث تنتهي فترة العمل بعد 3 أو 6 أشهر.

وأوضحت أنها بعد ذلك قررت التوجه لسوق العمل الحر، حيث بدأت طريقها من الصفر، فلم يكن لديها أية خبرة في هذا المجال، وبينت أنها تواصلت مع عدة مؤسسات معنية بهاذ التوجه، وبدأت رحلة البحث عن تدريبات تخص هذا المجال عبر الإنترنت.

وتابعت قنديل “صادفت إعلانًا نُشر على صفحة مؤسسة “جمعية الخريجات –غزة” عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” للنساء اللاتي يرغبن في الانضمام لدورة تدريبية عن ” كيفية استخدام منصات العمل الحر عبر الإنترنت”، ومن هنا انطلقت رحلتي، حيث شاركت 30 خريجة –خريجات لغة إنجليزية وتكنولوجيا المعلومات- في المبادرة وبدأنا سوياً في خوض هذه التجربة التي شكلت لاحقاً سبباً في دعمنا مهنياً واقتصادياً.

وأشارت إلى أنها وعقب التحاقها بتدريب العمل الحر عبر الإنترنت –يُنفّذ بتمويل من مشروع حاضنة المرأة القيادية في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان- تعرفت على أسس العمل الحر، وكيفية الانضمام لمنصات العمل الحر وتسويق مهاراتها للعملاء والحصول على المشاريع، والحصول على تقييمات عالية من قبل العملاء، وكيفية التعامل معهم بعد الحصول على العمل وبعد الانتهاء منه.

جدير بالذكر أنّ التدريب الخاص بالعمل الحر مثّل نقطة تحول كبرى في حياة المتدربات، حيث حصلت الكثير منهن على فرص عمل ومشاريع مختلفة مع زبائن كُثر.

قالت “قنديل” :حصلت على 3 وظائف مختلفة في مجال الترجمة أثناء فترة التدريب، وحصلت على تقييم عالٍ من العملاء، مما زاد من فرص حصولي على مشاريع أخرى. ولفتت إلى أنها وبعد انتهاء التدريب، نجحت أيضاً في الحصول على 30 مشروع عمل، واستطاعت تأمين مصدر دخل مريح لها، بالإضافة إلى تبادل الخبرات، ونسجت علاقات عمل عديدة مع مترجمين من الخارج. 

وفي نهاية حديثها لفريق مشروع حاضنة المرأة القيادية وجهت “قنديل” نصيحة لكافة الخريجين بضرورة الاهتمام بمجال العمل الحر، وتطوير مهاراتهم باستمرار خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وندرة فرص العمل داخل قطاع غزة، ورأت أنّ العمل الحر يمثل الآن ضوء الأمل للكثير من الخريجين لارتباطه بعملاء وشركات خارج القطاع.

يشار إلى أنّ المرصد الأورومتوسطي بدأ مشروع “حاضنة المرأة القيادية” في يناير من عام 2017، بتمويلٍ من منظمة “كفينا تل كفينا” (امرأة لامرأة) السويدية، وبدعم من مؤسسة الرحمة النمساوية، و يستهدف المشروع المؤسسات القاعدية وطواقمها العاملة، إلى جانب النساء في المناطق المهمشة في مختلف مناطق قطاع غزة، من خلال رفع كفاءة عمل المؤسسات وتمويل مشاريع صغيرة تُنفذها تلك المؤسسات بمشاركة فئاتها المستهدفة، تحت إشرافٍ كاملٍ من فريق مشروع الأورومتوسطي ومستشاريه.