من المهم أن يدفعنا الإيمان بانتصار العدالة في النهاية لمواصلة النضال رغم الإحباط وخيبة الأمل ريتشارد فولك | رئيس مجلس الأمناء

يوميات طفل في زمن الحرب

2
مشاركات

أحمد أبو أرتيمة- كاتب وناشط فلسطيني

في رقعة جغرافية دائمة التوتر مثل قطاع غزة يجبر المرء على أن يتكيف نفسياً مع الظروف غير الطبيعية من أجل أن يواصل حياته، في غزة يخفت صوت الموسيقى والفرح ويعلو صوت الصواريخ والانفجارات، ومع طول عهد غزة بالاحتلال الممتد عبر الأجيال يكتسب أهلها عادات نفسيةً ينتزعون بها القدرة على البقاء.

منذ أن تفتح وعيي على هذه الحياة التصق بهذا الوعي صوت أزيز الرصاص الذي ينهمر بكثافة فوق رؤوسنا منطلقاً من البرج العسكري الإسرائيلي المتمركز على تلة مرتفعة تشرف على الحي، في ساعات الليل كنا نرى الرصاص على هيئة كرات ملتهبة حمراء تخترق العتمة فوق رؤوسنا. في إحدى المرات أصيبت شقيقتي عائشة ذات العشرة أعوام بالهلع من كثافة إطلاق النيران فأخذتها إلى المستشفى لتتلقى رعايةً نفسيةً من الطبيب قبل أن تستعيد هدوءها .

لم يكن إطلاق الرصاص دائماً لدواع أمنية إذ إنه كان عادةً يوميةً لجنود الاحتلال في الأبراج العسكرية، كان هذا الرصاص العشوائي رسالة إثبات وجود وردعاً لأي خطر قد يمثله متسلل محتمل، وكان الرصاص في بعض الأحيان انتقامياً بعد عملية مقاومة فلسطينية، فيطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي الرصاص عشوائياً ليقتلوا ويصيبوا عدداً من أهل الحي بينما يمارسون حياتهم الطبيعية.

في سبتمبر عام 2005 فجر جنود الاحتلال ذلك البرج العسكري استعداداً لإعادة الانتشار حول قطاع غزة، كان شيئاً غريباً أننا بتنا ليلتنا الأولى طوال حياتنا دون أن نسمع رصاصةً واحدةً.

بعد أن أكملت حكومة الاحتلال انسحابها لم يعد أهالي غزة يسمعون أصوات الرصاص عدا سكان المناطق القريبة من السلك العازل شرق القطاع وشماله. لكن هذا لا يعني أن الهدوء قد حل، إنما استبدلت أصوات الطائرات والانفجارات بأصوات الرصاص.

بعد الانسحاب البري من داخل غزة ظلت أجواؤها مستباحة للطيران الإسرائيلي، والطائرات أنواع نعرفها بحكم الخبرة الطويلة، فهناك طائرات الاستطلاع المحملة بالصواريخ، وهذه دائمة التحليق فوق رؤوسنا مثلها في عدم الانقطاع مثل رصاص الثكنات العسكرية قبل الانسحاب، تحلق هذه الطائرات في أوقات التصعيد والتهدئة ويمثل صوتها نذير شؤم للكبار لأنه يذكرهم بأيام الحرب والعدوان، وهناك طائرات الأباتشي قليلة الظهور، وهذه غالباً لا تظهر إلا لأداء مهمة حربية، أما الطائرات التي لا يخلو يوم من أيام غزة دون تحليقها فهي طائرات الأف 16 الحربية التي تحمل قنابل شديدة التدمير، هذه الطائرات تستطيع أن تخترق جدار الصوت وهي لا تظهر في أوقات الحرب فقط إنما تظهر يومياً في مهمات تدريب وصيانة. هذه الطائرات هي الأقدر على إدخال الرعب في نفوس الأطفال، إذ إن قنبلةً واحدةً تطلقها تحدث دوياً هائلاً في كل أرجاء المدينة فتهتز المباني السكنية وقد يتسبب صوت الانفجار الناتج عنها في تحطم زجاج النوافذ البعيدة عن مكان الاستهداف.

لا يقتصر الترويع الذي تحدثه طائرات الأف 16 على أوقات الحروب، فبين الفينة والأخرى تكون هناك جولات تصعيد محدودة تقصف فيها هذه الطائرات بعض الأهداف فتحدث رعباً للسكان المدنيين، وفي أوقات أخرى غير أوقات التصعيد تقوم هذه الطائرات بما يعرف بالغارات الوهمية وهي الناتجة عن اختراق جدار الصوت فترتج المباني وينفض الناس من أماكنهم.

تمثل أصوات القصف بشقيه الحقيقي والوهمي معضلةً في تعاملي مع طفلي عبد الرحمن ذو الأربعة أعوام، عبد الرحمن وُلد عام 2014 قبل بدء “العدوان” الكبير على القطاع بثلاثة أشهر فاختزنت أصوات الانفجارات في وعيه الباطن. وهو إلى الآن كلما دوى صوت انفجار انفض مذعوراً وهرول نحوي وهو يصرخ: “القصف هذا علينا”. أستحضر قدر استطاعتي ما أعرفه من كلمات المواساة: “لا تقلق حبيبي، هذا القصف بعيد.”

لكن الوقت لا يسعفني للتخفيف عنه إذ يدوي صوت انفجار ثان وثالث، فالصواريخ عادةً يأتين مجتمعةً وليس فرادى.. لا أملك إلا أن أحتضنه لعلي أبعده عن الأصوات المرعبة الموحشة.

كيف يمكن أن أحصن طفلاً من الخوف في بيئة تمتلئ كل تفاصيلها بالخطر؟ هديت إلى فكرة متواضعة لكنها أثبتت نجاعتها إلى حد ما، وهي أن أغير الإطار الإدراكي والنفسي لطفلي، قلت له: هذا القصف في البحر وليس عندنا، إذا سمعنا صوت القصف مرةً ثانيةً سنقول معاً: هييي .. لما جاء صوت صاروخ جديد، قلنا معاً: هييي ، بهذه الطريقة أزحت تركيزه قليلاً عن حالة الرعب، وحولت الأمر إلى ما يشبه اللعبة.

أعلم أن الحرب ليست لعبةً وأن هذا الصاروخ قد يحمل الموت لأطفال في سن ابني أو لآبائهم وإخوانهم ، لكن ماذا بوسعنا أن نفعل، إن لم نستطع أن نغير الواقع فأضعف الإيمان هو تقوية أنفسنا في مواجهته..

وأنا أختم مقالي هذا وصلني خبر إصابة شقيقي بجروح متوسطة بفعل سقوط صاروخ أف 16 بالقرب منه في جولة تصعيد جديدة.