من المهم أن يدفعنا الإيمان بانتصار العدالة في النهاية لمواصلة النضال رغم الإحباط وخيبة الأمل ريتشارد فولك | رئيس مجلس الأمناء

هل يمكن أن تكون الحرب إنسانية؟ | إيمان أبو زعيتر

5
مشاركات

في القديم، كانت مسألة حقوق الإنسان مسألة داخلية تحددها كل دولة وفقاً لمعاييرها ومفاهيمها، وليس لأي أحد أن يتدخل مهما ارتكبت الدولة من جرائم بحق مواطنيها، وذلك إعمالا لمبدأ مبدأ “سيادة الدول على أراضيها”، حيث كان مواطنو الدولة أشبه بالأملاك الخاصة، يحق للدولة أن تتصرف فيها كيفما تشاء.

وقد سمح هذا المبدأ للدول بارتكاب جرائم بشعة وانتهاكات جسيمة بحق الإنسانية، الأمر الذي دفع العالم الحديث إلى عولمة مبادئ حقوق الإنسان وتحويل مبدأ سيادة الدول من كونه حقاً مطلقاً للدول إلى كونه مسؤولية لحماية مواطنيها وضمان حقوقهم. وبالتالي، لم يعد للدولة الحرية المطلقة في تحديد كيفية التعامل مع مواطنيها.

وإثر ذلك، ظهر مبدأ “التدخل الإنساني” كأداة بيد المجتمع الدولي من أجل التدخل الفوري في حال لم توفِ دولةٌ ما بمسؤولياتها لحماية مواطنيها أو انتهكت حقوقهم بشكل جسيم. شمل هذا التدخل توجيه تحذيرات، وفرض العقوبات، وأخيراً التدخل العسكري واستخدام القوة من أجل إيقاف هذه الانتهاكات. 

على الرغم من نبالة الهدف وإنسانيته، إلا أن تطبيقه لم يكن خالياً من المصالح والمناورات السياسية، بل وصل إلى استخدام هذا المبدأ من أجل إحداث مزيد من التدمير. فما الدور الذي لعبته المصالح السياسية في تحويل مبدأ إنساني إلى أداة تدمير؟

إنما تتدخل الدول لمصالحها

“قصف إنساني”، هكذا وُصف التدخل العسكري للناتو بحجة وقف الحرب في كوسفو عام 1999، حيث كان التدخل عبارةً عن ثلاثة أشهر من القصف المكثّف، والذي أدّى لدمار أكبر من دمار الحرب نفسها. في هذا السياق، يقول المفكر الألماني كارل شميت إن: “الحرب لا يمكن أن تكون إنسانية، وما هذه التدخلات إلا من أجل تحقيق مصالح سياسية واقتصادية أو هزيمة خصم عسكري تحت ستار الإنسانية“. فهل المسألة بالسوداوية التي رسمها شميت؟

بالرجوع إلى التاريخ، يمكن أن نجد أمثلة كثيرة تم فيها استغلال الشعارات الإنسانية من أجل ارتكاب أبشع الجرائم والفظائع ضدها. على سبيل المثال، بررَ “هتلر” غزوهُ لتشيكوسلوفاكيا عام 1939 بأنه يهدف لحماية الأقليات الألمانية الموجودة هناك، ولكن الفظائع التي تم ارتكابها في حق المدنيين يمكن أن تكون أي شيئ عدا أن تكون “إنسانية”. 

ومن الأمثلة الأكثر جدلاً في عالمنا الحديث هو غزو العراق عام 2003 من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة. في حين لا يمكن انكار سجل حقوق الإنسان السئ الذي كانت تتمتع به العراق في ذلك الوقت، ولكن الوضع لم يكن بالسوء الذي يجعل هناك حاجة إلى تدخلٍ عسكريٍ خارجي. فوفقاً لمؤشر حقوق الإنسان، كانت العراق تحت المرتبة ال13 بين أكثر الدول المنتهكة لحقوق الإنسان، ولكن رغم وجود 12 دولة أخرى لديها سجل حقوقي أسوأ من ذلك الذي كانت تملكه العراق، فإن العراق هي من وقع عليها الاختيار. الدمار الذي قام التدخل العسكري الإنساني بإحداثه في العراق يشير إلى أن الهدف لم يكن إنسانياً ولم يسع لحماية حقوق الإنسان التي تدهورت أكثر بعد التدخل، ولكنها جاءت غالباً لخدمة مصالح وطنية للدول المتدخلة، مثل الحصول على إمدادات النفط العراقي.

لماذا سوف تخاطر الدول بجنودها في حرب لا مصلحة لها فيها؟

إن استغلال التدخل الإنساني من أجل مصالح سياسية ليس المأخذ الوحيد على هذا المبدأ. ولكن الأسوأ من ذلك هو أن الدول عادةً لا تسعى للمخاطرة بحياة جنودها وبأموالهم من أجل حماية مدنيين في دولة أخرى بدون وجود مصلحة خاصة من ذلك. الأمر الذي يضرب المبدأ كله في مقتل.

على سبيل المثال، انسحبت القوات الأمريكية ببساطة من الصومال عام 1993 عندما فقدت 18 من جنودها في مهمة إنقاذ هناك. كان السبب الرئيسي وراء رد الفعل هذا هو أن الولايات المتحدة لم يكن لديها مصالح خاصة في استمرار التدخل الإنساني في الصومال. يقول المفكر صمويل هنتنغتون: “إن إهلاك أعضاء من القوات المسلحة [الأمريكية] لمنع الصوماليين من قتل أحدهم الآخر، هو أمر غير مبرر أخلاقياً ولا سياسياً”. في المقابل  من ذلك، استمر التدخل العسكري في العراق لثمانية سنوات على الرغم من مقتل 4,424 جندياً أمريكياً وإصابة حوالي 32 ألف آخرين. تبدو المقارنة واضحة هنا!

كما منعت المصالح السياسية المبدأ من العمل والتدخل عسكرياً من أجل حماية المدنيين في العديد من الحالات أبرزها فشل الدول الذريع في وقف الحرب في سوريا والتي تنزف منذ ثمانية أعوام الآن. السبب الرئيسي هو تضارب المصالح الخاصة بالدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة -السلطة الرئيسية التي من حقها إصدار قرار بالتدخل باستخدام القوة في دولة أخرى. فروسيا مصلحتها أن يبقى نظام الحكم الحالي في محله لما بينهما من علاقات واتفاقيات اقتصادية جيدة جداً، بالإضافة إلى وجود القاعدة البحرية الوحيدة لها على البحر المتوسط في سوريا. في المقابل، ما زالت الصين تعيش في الزمن القديم حيث ترفض أي تدخل في الشؤون الداخلية لبلد ما وتتوقع نفس الشيء من المجتمع الدولي عندما يتعلق الأمر بالشؤون الصينية.

هل تدخّل الدول شر محض؟

في المقابل من ذلك، وعلى الرغم من كثرة الأمثلة على مدار التاريخ التي تشير إلى ارتباط كبير بين التدخل الإنساني العسكري والمصالح الوطنية للدول المتدخلة، فإنه ليس من الحكمة أن نرفض مبدأ التدخل الإنساني ككل لهذا السبب، حيث أن أشخاصا مثل هتلر، أو بوش، أو بلير ما كان ليوقفهم عدم وجود مبدأ التدخل الإنساني العسكري عن شن الحروب سعياً وراء مصالحهم.

ويمكننا أن نتفق، بلا شك، على أن عالمنا الحديث هو أفضل وأقدر على حماية الإنسان من العصر الويستفالي ” Westphalian era” وما بعده. على الأقل، استطعنا أن نمنع حدوث حرب عالمية ثالثة حتى الآن، ولكن ما زلنا بحاجة ماسة إلى التحرر من هيمنة الدول العظمى وسيطرتها على منافذ القوة في العالم.

وعلى مستوى نجاح التدخل العسكري الإنساني، هناك بعض التدخلات الإنسانية الناجعة (على الأقل وفق بعض وجهات النظر) مثل التدخل لحماية الأكراد في العراق عام 1991، ووقف شلال الدماء في كينيا بين عامي 2007 و2008.

ما المطلوب إذن؟

يمكننا القول لضمان عمل المبدأ بإنسانية ودون تمييز، فإن هناك حاجة إلى  تقوية دور المجتمع الدولي متمثلاً في الأمم المتحدة. فعلى سبيل المثال، إن إصدار الأمر بالتدخل العسكري يجب أن يتم بموافقة أغلبية دول العالم، وذلك عن طريق تطوير مبدأ “الاتحاد من أجل السلم” والذي أوجدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في حال لم يستطع مجلس الأمن التحرك بسبب ممارسة أحد أعضائه الدائمين لحق “الفيتو”. يجب أن يتحرر المبدأ من سيطرة الدول الخمس دائمة العضوية (روسيا، الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، والصين) والتي تعرقل عمله بشكل سليم في كثير من الحالات من أجل مصالح سياسية. كما يتطلب الأمر تشكيل جيش مستقل مهمته التدخل لحماية المدنيين في أي مكان في العالم عند الحاجة لذلك، دون الحاجة إلى الاستعانة بجيوش الدول الكبرى مثل أمريكا وبريطانيا.

وإلى حين أن يتم تقديم الإنسان على المصالح السياسية، سيبقى نجاح مبدأ التدخل الإنساني العسكري رهناً لتوافق مصالح الدول الكبرى مع مصلحة الإنسان في الدول المضطهِدة.