من المهم أن يدفعنا الإيمان بانتصار العدالة في النهاية لمواصلة النضال رغم الإحباط وخيبة الأمل ريتشارد فولك | رئيس مجلس الأمناء

العشائر في فلسطين، سلطة أم أداة السلطة؟

9
مشاركات

د. بلال الشوبكي

يتنامى الاهتمام الفلسطيني بقضايا الحقوق والحريات والتحوّل الديمقراطي، ويظهر جليّاً أنّ هذا الجانب من القضايا أخذ حيّزاً واسعاً ممّا تمارسه مؤسسات حقوقية وبحثية، وحال الفلسطيني هنا كحال الكثيرين من أبناء الدول النامية الذين انفتحوا بحكم عوامل عدّة على عالم من المقارنات. بيد أنّ هذا الاهتمام لم يحل دون استمرار نفوذ العشائر الفلسطينية في السياقات العامة، وهو ما يثبّط من مسيرة التحوّل نحو تثبيت الحريات وتعزيز قيم العدالة والمساواة والمشاركة والتعددية، إذ إنّ تشكيلة هذه البنى الاجتماعية قائمة بالأساس على عوامل غير عقلانية، وتعتمد النسب دون غيرها شرط القبول كعضو في هذا الجسم، فيما رأس الجسم ينصّب دونما أي اعتبار للكفاءة، والقرارات أو المواقف أو حتى الآراء تنهال من أعلى الجسم إلى أدناه، ويصبح الالتزام بها من أبناء العشيرة معياراً لقوتها بغض النظر عن صوابية تلك الرسائل.

هذه البنى في تركيبتها تتناقض مع الحقوق والحريات الأساسية، أي أنّ أول من يفقد حقوقه وحريته هو ابن العشيرة القوية المعتدّة بتماسكها على الحق أو الباطل. فيما دورها الأخطر، أن يتحوّل الانتماء إلى هذه العشيرة ونتاجاً لعوامل موضوعية كالفساد الإداري والسياسي على مستوى الدول، وسريان خطاب الكراهية، وسلطوية الحركات والأحزاب، إلى هويّة تطغى على الهوية الحزبية، فتطغى النسب على الفكرة، ويصبح الانتماء إلى الحزب انتماءً بمنطقٍ عشائري، فتطغى الهوية الحزبية على الوطنية. وطغيان العشائري والحزبي-العشائري على الوطني يعني خلق كيانات ما دون الدولة وما فوق الحزب.

والحال كذلك، تصبح نظرة العشيرة إلى الدولة ومؤسساتها كغنائم من المصلحة استملاكها لتحقيق المنفعة لأبناء العشيرة أو العشائر ذات المصالح المتقاطعة. فيما الدولة بمؤسساتها تنظر إلى العشيرة كأداة تقويض للحركات والأحزاب، وتقويضها في ظل أنظمة سلطوية أو هجينة يشكّل مهداً مريحاً للنخبة الحاكمة، التي تستسهل إدارة المصالح مع العشائر وتفضلها على إدارة التنافس بين الأحزاب بما يعنيه من تداول للسلطة، سيُفضي إلى تغيير النخب الحاكمة. هذا ما ينطبق على وضع العشائر في فلسطين بشكل متفاوت زمانياً، وفقاً للمتغيرات على الأرض.

لعبت العشائر الفلسطينية دوراً مهما في الساحة السياسية الفلسطينية منذ بدء الانتداب البريطاني على فلسطين، وبعد قيام دولة الاحتلال بقي لهذه العائلات دور مهم حيث قامت إسرائيل بتعيين رؤساء الهيئات المحلية والبلديات من الشخصيات العشائرية. الدور الذي كانت تقوم به العشائر من تسيير للحياة العامة في فلسطين، بدأ بالتلاشي مع بداية الثمانينات في القرن الماضي، وكان ذلك نتيجة لمجموعة من الأسباب، أهمها: تراجع الثقة ببعض النخب العشائرية نتيجة لانكشاف صورتهم أمام المجتمع كوكيل للاحتلال، إضافة إلى ذلك فإن جزءاً من هذه العائلات كانت تقيم نوعاً من التحالف الضمني والولاء للعائلة المالكة في الأردن، وحين انهارت العلاقات الأردنية الفلسطينية في نهاية السبعينات بسبب علاقة منظمة التحرير بالنظام الأردني المتأزمة حينها، خسرت هذه العائلات جزءاً كبيراً من نفوذها المستمد من خارج حدود فلسطين.

كما كان لبدء الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي دوراً كبيراً في تفعيل دور الشباب في المجتمع الفلسطيني وتراجع دور النخب والأعيان والعشائر. مضافاً إلى نشوء حركات سياسية فلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية، كحركتي حماس والجهاد الإسلامي، حيث تبنّتا تنشئة سياسية مغايرة لما هو مألوف لدى حركة فتح، وبما لا يساعد على استيعاب ثقافة الانتماء العشائري.

ورثت هذه الحركات مجتمعاً عشائري الثقافة دون وجود فعلي لدور هذه العشائر، وهو ما أفرز حالة فريدة داخل المجتمع الفلسطيني تمثلت في انضمام بعض العشائر بشكل كامل في حزب ما فيما انضمت عشائر أخرى إلى أحزاب أخرى، بحيث أصبحت الحركة أو الحزب إطاراً واسعاً لتحالف بعض العائلات بشكل غير مباشر، وخصوصاً حركة فتح التي استقطبت العديد من الأعيان وكبار السن وهو ما جعلها أكثر تأثيراً على المجتمع الفلسطيني خلال الانتفاضة، فيما حركة حماس لم تتأثر بتلك البيئة العشائرية، وذلك لكونها حركة أيدولوجية لم تقبل بأعضاء داخلها دون تربية دينية وتنشئة سياسية، وهذا الأمر ميّز نوعية الأعضاء المنتمين لحركة حماس فجلّهم كانوا من الشباب، ولم يتأثروا بالأعيان وكبار السن.

في تلك المرحلة، ومع استمرار الانتفاضة ومشاركة الحركات اختفى الشكل التقليدي لدور العشائر، وأصبح دور بعض الشخصيات العشارية محدوداً ضمن بعض الحركات التي انضموا اليها وخصوصاً فتح، ومع بداية التسعينات كان دور العشائر قد اختفى بشكل شبه كامل، فيما تنامى دور الحركات والأحزاب. لكن العشائر عادت لتحتل موقعاً في التأثير على الحياة العامة بعد أوسلو، حيث شهد المجتمع الفلسطيني نوعاً من التناقض في سياسة الراحل ياسر عرفات، الذي جاء بمشروع الحكم الذاتي القائم على مؤسسات تسعى إلى تحويل المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع ديمقراطي، وفي نفس الوقت قام بإعادة إحياء العشائرية بشكل أضعف من دور الحركات والمؤسسات والنخب الثقافية وحتى القطاع الخاص.

بعد عام 2005 وجدت حركة فتح نفسها أم منافسة من نوع آخر مع الحركات والأحزاب الأخرى. المنافسة هذه المرة كانت انتخابية، بما يعنيه ذلك من حاجة أي حزب أو حركة إلى عقلية مؤسساتية من أجل ضمان برنامج انتخابي واضح ومدعوم جماهيرياً وحملة انتخابية منظمة تضمن الفوز. افتقدت حركة فتح بعد رحيل ياسر عرفات الانضباط والتنظيم ووضوح الرؤية، فقد ورثت عن عرفات جسماً هلاميا بطابع عشائري. رغم هذا الضرر إلا أن حركة فتح بدت مرتاحة وهي ترى العشائر تنمو من جديد بعد سيطرة حماس على قطاع غزة، حيث بدأت العشائر في قطاع غزة بخلق حالة من عدم الاستقرار الأمني في قطاع غزة، وأنشأت ميليشيات تابعة لها، وأطلقت عليها مسميات جهادية، وقامت بإحراج حكومة غزة حين اختطفت هذه الميلشيات شخصيات أجنبية.

في الجهة المقابلة، كانت حركة فتح في الضفة الغربية قد قبلت بعودة العشائرية من جديد، وأبرز ظهور لها كان في الانتخابات المحلية التي شهدت غياب التنافس بين الحركات الفلسطينية لصالح تنافس أو تحالف أو توافق عشائري، بل وصل الأمر إلى غياب الانتخابات في بعض البلديات نتاجاً لتعيين العشائر أعضاء المجلس البلدي بالتزكية، وفي ذلك حرمان للمواطنين من حقهم في التصويت، وتكريس للأنظمة التقليدية الرجعية، وبعد متسارع عن الديمقراطية. تفاقم الوضع سوءاً حين رعت السلطة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة أحياناً دور العشائر في السياق القضائي، وبدلاً من تمكين المؤسسات القضائية الفلسطينية وتحديثها وإصلاحها يتم إضعافها بتعزيز القضاء العشائري، بحيث أصبح المواطن أكثر ثقة به من غيره.

كل هذه التطورات، دفعت القوى العشائرية للتمادي مؤخراً في التدخل المباشر في الحياة اليومية للمواطنين، ووضع محددات للسلوك، وحرمان المجتمع من كثير من الأنشطة، كما حصل في بعض المحافظات حين نجحت العشائر في عرقلة أنشطة ترفيهية ورياضية بحجة مخالفتها للعادات والتقاليد. وتحوّل الحراك المجتمعي، من حراكٍ يفترض أن يكون موجهاً لتقويم سياسات السلطة وتحصيل المزيد من الحقوق والحريات، إلى حراكٍ منقسم حول توجهات العشائر ودورها، وهي مؤشرات قوية مضافة إلى مؤشرات سابقة حول استخدام السلطات المتعاقبة على فلسطين للعشائر كأداة لضمان سطوة الجهة الحاكمة.