من المهم أن يدفعنا الإيمان بانتصار العدالة في النهاية لمواصلة النضال رغم الإحباط وخيبة الأمل ريتشارد فولك | رئيس مجلس الأمناء

الأمم المتحدة…أزمة ثقة متجددة | ريتشارد فولك

0
مشاركات

ريتشارلد فولك – رئيس مجلس أمناء المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان

 لقد خيّبت الأمم المتحدة خلال الحرب الباردة آمال حتى أكثر أتباعها حماسة، ذلك لأنّها بدت مشلولة بسبب التنافس بين الشرق والغرب كلما هدّدت أزمة سياسية السلام العالمي. فإن منح حق الفيتو للأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن أكد أنه عندما كانت تتصادم وجهات النظر الأيديولوجية والجيوسياسية، والتي كانت تحدث في كل الأوقات، خلال الأربعين سنة الأولى بعد عام 1945، قد دفع الأمم المتحدة للمراقبة من الخطوط الجانبية، كاشفة الأحداث التي تهدد بحرب والمواجهات العنيفة بين الخصوم الأيديولوجيين.

 انتهت الحرب الباردة فجأة بين 1989-1991، وبدا أن الأمم المتحدة كانت تعمل لفترة قصيرة كتحالف بقيادة غربية، والذي نما من خلال دعم مجلس الأمن لحرب العراق الأولى التي أعادت السيادة الكويتية في عام 1992 بعد عدوان العراق في العام الذي سبقه، مصحوباً باستعراضٍ للقوة العسكرية الأمريكية ذات التكنولوجيا عالية الجودة. وقد أشادت حكومة الولايات المتحدة بهذا الاستخدام للأمم المتحدة على أنه إشارة لولادة “نظام عالمي جديد” قائم على تطبيق ميثاق الأمم المتحدة، والاستفادة من مجلس الأمن باعتباره معقل النظام العالمي، والذي أصبح أخيراً ممكناً بسبب الانهيار السوفياتي وقبوله لدورة التغريب لقضايا السياسة العالمية.

ومع ذلك، فإن صورة التقارب بين الأجندة الجيوسياسية وميثاق الأمم المتحدة سرعان ما انتُقدت على أنها “مهيمنة” وبدأ التشكيك بها من قبل روسيا والصين. حتى الأمين العام للأمم المتحدة المستقل، بطرس بطرس غالي، قال إن المهمة غير المشروطة الممنوحة لقوى الحلفاء في حرب الخليج لم تكن متماشية مع الدور المتوخى للأمم المتحدة المتمثل في مراقبة أي استخدام للقوة الذي صرح به مجلس الأمن. وذهب الأمين العام آنذاك، بيريز دي كويلار، إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن العراق مستعد للانسحاب من الكويت فقط في حالة إعطائه ضماناً بعدم تعرضه للهجوم في أي حال من الأحوال، والذي لم يتم تقديمه مطلقاً، مما يوحي بأنه حتى هذا الانتصار المفترض لدبلوماسية السلام للأمم المتحدة كانت خدعة متخفية في حرب اختيار جيوسياسية.

 إن الالتماس المضلل في مجلس الأمن عام 2011، من أجل تدخل إنساني محدود للغاية في ليبيا تحت رعاية حلف الناتو لحماية شعب بنغازي من هجوم استُخدم كذريعة صارخة لتغيير النظام في ليبيا، من خلال هجوم عسكري شامل. لقد نجح هذا التدخل في تخليص الدولة من حكم القذافي ليحل محل ديكتاتوريته الوحشية وعد لا يمكن تحقيقه بهدف غرس نظام سياسي ديمقراطي. وبدلاً من الإقرار بأن ما جلبه حلف الناتو إلى ليبيا، بالتزامن مع سياسة أوباما “القيادة من الخلف”، كانت الفوضى والفتنة طويلة الأمد، ومجموعة من الأحداث التي كانت متناقضة إلى حد كبير (خمس دول تغيبت، بما في ذلك روسيا والصين وألمانيا) لذلك فقد أوصى مجلس الأمن بأن يدفع الغرب ثمناً باهظاً، والأمم المتحدة ثمناً باهظا أكبر. لقد دمر الخداع الليبي ثقة روسيا والصين وغيرهما، بحسن نوايا الغرب، وتعجيز الأمم المتحدة في حالة الأزمات المستقبلية حيث قد يكون لها دور إنساني بنّاء، بالتحديد في سوريا واليمن.

يمكن القول إن محنة سوريا المأساوية تجسد عجز الأمم المتحدة في الحفاظ على أدنى قدر من المصالح الإنسانية، وهو إنقاذ المدنيين من الذبح المتعمد والوحشية. حتى عندما تم الاتفاق على وقف إطلاق النار متأخراً، تم تجاهلها على الفور تقريباً، مما أدى الى السخرية من سلطة الأمم المتحدة، وترك الجمهور العالمي شاهداً على مشهد دموي من أكثر الحروب اللاإنسانية التي استمرت دون إرادة أو قدرة الأمم المتحدة لفعل أي شيء حيال هذا الأمر. ولهذا السبب، ليس أمراً مفاجئاً أن تكون الأمم المتحدة في الوقت الحالي أقل شأنًا، ويُنظر إليها على نطاق واسع على أنها غير ذات صلة بالتحديات الأصعب التي تواجه العالم، سواء في مناطق القتال، أو تغير المناخ، أو حقوق الإنسان، أو حتى تهديدات الحرائق النووية.

إن هذه النظرة الرافضة للأمم المتحدة يمكن تفهمها في ضوء هذه التطورات الأخيرة، لكنها مخطئة بشكل واضح، بل وحتى بشكل خطير. يحتاج العالم إلى هدف يكتسب تأثيره بشكلٍ سريع وخاطف من القنابل الذرية لمدن يابانية، وهو يزداد أهمية منذ عام 1945 عندما أنشأت الحكومات الأمم المتحدة كآلية لحل المشاكل العالمية، بهدف رئيسي يتمثل في تجنب الحروب الكبرى في المستقبل. لقد عمدت الأمم المتحدة على الرغم من فشلها الذريع في سياق الحرب والسلام إلى إعادة اختراع نفسها، حيث قدمت مجموعة متنوعة من الخدمات الفعالة للمجتمع الدولي، خاصة للدول الأفقر والأصغر والأقل نمواً. وتحتفظ الأمم المتحدة بالقدرة على فعل المزيد، ولكن في نهاية المطاف يتوقف دور الأمم المتحدة ومساهماتها على الإرادة السياسية لأعضائها الخمسة الدائمين، الأمر الذي يحتاج إلى توافق جيوسياسي، والذي يبدو في وضع العالم الحالي أشبه بمراوغة كما كان يحدث خلال الحرب الباردة على الرغم من وجود أسباب مختلفة إلى حد ما.